فخر الدين الرازي
426
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بإرادة اللّه تعالى ولا نقول إنه برضا اللّه لأن الرضا عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله ، قال اللّه تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ [ الفتح : 18 ] أي يمدحهم ويثنى عليهم الثالث : كان الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رحمه اللّه يقول : الرضا عبارة عن ترك اللوم والاعتراض ، وليس عبارة عن الإرادة ، والدليل عليه قول ابن دريد : رضيت قسرا وعلى القسر رضا * من كان ذا سخط على صرف القضا أثبت الرضا مع القسر وذلك يدل على ما قلناه والرابع : هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ عام ، فتخصيصه بالآيات الدالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر كقوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ * [ الإنسان : 30 ] واللّه أعلم . ثم قال تعالى : وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ والمراد أنه لما بين أنه لا يرضى الكفر بين أنه يرضى الشكر ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلف القراء في هاء يَرْضَهُ على ثلاثة أوجه أحدها : قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الهاء مختلسة غير متبعة وثانيها : قرأ أبو عمرو وحمزة في بعض الروايات يرضه ساكنة الهاء للتخفيف وثالثها : قرأ نافع في بعض الروايات وابن كثير وابن عامر والكسائي مضمومة الهاء مشبعة ، قال الواحدي رحمه اللّه من القراء من أشبع الهاء حتى ألحق بها واوا ، لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه وله ، فكما أن هذا مشبع عند الجميع كذلك يرضه ، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق الواو ، لأن الأصل يرضاه والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية ، ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو فكذا هاهنا . المسألة الثانية : الشكر حالة مركبة من قول واعتقاد وعمل أما القول فهو الإقرار بحصول النعمة وأما الاعتقاد فهو اعتقاد صدور النعمة من ذلك المنعم . ثم قال تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى قال الجبائي هذا يدل على أنه تعالى لا يعذب أحدا على فعل غيره ، فلو فعل اللّه كفرهم لما جاز أن يعذبهم عليه ، وأيضا لا يجوز أن يعذب الأولاد بذنوب الآباء ، بخلاف ما يقول القوم . واحتج أيضا من أنكر وجوب ضرب الدية على العاقلة بهذه الآية . ثم قال تعالى : ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ واعلم أنا ذكرنا كثيرا أن أهم المطالب للإنسان أن يعرف خالقه بقدر الإمكان ، وأن يعرف ما يضره وما ينفعه في هذه الحياة الدنيوية ، وأن يعرف أحواله بعد الموت ، ففي هذه الآية ذكر الدلائل الكثيرة من العالم الأعلى والعالم الأسفل على كمال / قدرة الصانع وعلمه وحكمته ، ثم أتبعه بأن أمره بالشكر ونهاه عن الكفر ثم بين أحواله بعد الموت بقوله : ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ وفيه مسائل : المسألة الأولى : المشبهة تمسكوا بلفظ إلى علي أن إله العالم في جهة وقد أجبنا عنه مرارا . المسألة الثانية : زعم القوم أن هذه الأرواح كانت قبل الأجساد وتمسكوا بلفظ الرجوع الموجود في هذه الآية وفي سائر الآيات . المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على إثبات البعث والقيامة . ثم قال : فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وهذا تهديد للعاصي وبشارة للمطيع ، وقوله تعالى : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ كالعلة لما سبق ، يعني أنه يمكنه أن ينبئكم بأعمالكم ، لأنه عالم بجميع المعلومات ، فيعلم ما